الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية — أبريل ٢٠٢٦
مع اكتمال عامها الثالث، تواصل الحرب في السودان تسجيل أرقام تفوق في فداحتها كل ما شهده العالم من أزمات إنسانية في العقود الأخيرة؛ أكثر من عشرة ملايين نازح داخلياً، وملايين اللاجئين عبر الحدود، وعشرات المليارات من الخسائر في البنية التحتية، وجيل كامل من الأطفال يدخل عامه الرابع خارج المدرسة. إن الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية، إذ تستذكر هذه الذكرى المؤلمة، تُعلن موقفها الصريح: إن استمرار هذه الحرب ليس قدراً، بل هو نتيجة مباشرة لتقاعد المجتمع الدولي عن الفعل، وللتواطؤ الصريح أو الضمني لأطراف إقليمية ودولية بعينها، في مقدمتها الإمارات العربية المتحدة.
أولاً: توثيق الجرائم
وثّقت منظمات حقوق الإنسان الدولية، ومنها لجان أممية مستقلة، جرائم بالغة الخطورة ترتكبها أطراف النزاع في دارفور والنيل الأزرق والنيل الأبيض وكردفان. وتشمل هذه الجرائم، وفق تعريفات نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية: توظيف الاغتصاب والعنف الجنسي سلاحاً ممنهجاً لترهيب المدنيين وتدمير النسيج الاجتماعي، وتطبيق الحصار على المناطق المأهولة وتجويع السكان المدنيين بما يُشكّل انتهاكاً صريحاً للمادة الثامنة من نظام روما، وتدمير المرافق المدنية من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه، فضلاً عن النزوح القسري الجماعي.
تُفيد التقارير الواردة من المناطق المتأثرة باتساع المعاناة خاصة في صفوف النساء والأطفال، وتحمّل النساء عبئاً مضاعفاً من الجرائم الجنسية الممنهجة. وتُذكّر الفدرالية بأن توظيف الاغتصاب أداةً للحرب يُصنَّف جريمةً ضد الإنسانية وجريمةَ حرب وفق القانون الدولي الإنساني المعاهداتي والعرفي على حدٍّ سواء.
ثانياً: التدخل الخارجي والمسؤولية الدولية
تُعرب الفدرالية عن قلقها البالغ إزاء الأدلة الموثقة على تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاع من مصادر خارجية، ولا سيما الدعم الإماراتي الموثق لقوات الدعم السريع، في انتهاك سافر للالتزامات الدولية المترتبة على معاهدة تجارة الأسلحة التي دخلت حيز التنفيذ عام ٢٠١٤. كما تُشير إلى الروابط الموثقة بين شبكات تهريب الذهب السوداني عبر الإمارات وتمويل الأطراف المتحاربة، مما يُوجب على دولة الإمارات تحديداً، وعلى الدول المستوردة الأخرى، تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.
إن وجود قرارات دولية بحظر الأسلحة دون آليات إنفاذ فعلية لا يعدو كونه غطاءً سياسياً لاستمرار التسليح. فقرارات الحظر وحدها لا توقف شحنة سلاح واحدة ما لم تقترن بتفتيش بحري وجوي مستقل، وبعقوبات فورية على الدول المنتهكة، في مقدمتها الإمارات.
ثالثاً: مؤتمر برلين أبريل ٢٠٢٦ ومخاوف السيادة
تُعرب الفدرالية عن قلقها الجدي إزاء مؤتمر برلين للسودان المنعقد في أبريل ٢٠٢٦، ولا سيما في ما يخص: آليات انتقاء المشاركين وإقصاء الأطراف السودانية التمثيلية، وما وُصفت به بعض مخرجاته من الإسهام في منح شرعية دولية — بضغط إماراتي موثق — لأطراف وثّقت لجان أممية مستقلة تورطها في جرائم خطيرة في دارفور على مدى العقدين الماضيين. إن أي مسار دبلوماسي يتجاهل مبدأ المحاسبة، ويُكافئ الأطراف الداعمة للانتهاكات كالإمارات بدلاً من محاسبتها عليه، لا يُرسي سلاماً بل يُكرّس إفلاتاً من العقاب ويُشجّع على توسيع الجرائم.
رابعاً: المطالب
تطالب الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية:
١. مجلس حقوق الإنسان الأممي بتجديد تفويض لجنة التحقيق المستقلة في السودان وتوسيع صلاحياتها التوثيقية والتحقيقية، بما يشمل التحقيق في دور الأطراف الخارجية ومنها الإمارات.
٢. مجلس الأمن الدولي بتوسيع ولاية المحكمة الجنائية الدولية لتشمل جميع الأراضي السودانية وليس دارفور وحدها، إذ تمتد الجرائم الموثقة اليوم إلى الخرطوم والنيل الأزرق والنيل الأبيض وكردفان وسائر الأقاليم، وإن الاقتصار على ولاية دارفور لم يعد يعكس حجم الانتهاكات الجارية.
٣. مجلس الأمن الدولي والدول الأعضاء بالانتقال من إصدار قرارات حظر الأسلحة إلى إنفاذها فعلياً عبر: إنشاء آلية تفتيش دولية مستقلة على الشحنات البرية والجوية والبحرية الواردة إلى أطراف النزاع، وفرض عقوبات فورية وقابلة للتصعيد على كل دولة تنتهك الحظر، بما فيها الإمارات العربية المتحدة.
٤. الجهات الدولية المختصة بتتبع تدفقات الذهب السوداني المُهرَّب عبر الإمارات وفرض عقوبات مستهدفة على الشبكات المثبت تورطها في تمويل العمليات العسكرية.
٥. المحكمة الجنائية الدولية بتعزيز حضورها التحقيقي في ملف الجرائم الجنسية المرتكبة في السودان، والنظر في مسؤولية الداعمين الخارجيين لمرتكبيها ومنهم الإمارات.
٦. الدول الإقليمية والمانحة بصرف التمويل الإنساني العاجل غير المشروط لدعم المنظمات المجتمعية العاملة مع الناجيات من العنف الجنسي، وعدم إخضاعه لاعتبارات الشراكة مع الإمارات.
خاتمة
إن السودان لن يستعيد استقراره بالمؤتمرات التي تُقصي أصحاب الحق في تقرير مصيرهم، كما جرى في برلين أبريل ٢٠٢٦، ولا بقرارات حظر الأسلحة التي تبقى حبراً على ورق بينما تواصل الإمارات تسليح أطراف النزاع، ولا بالشراكات الدبلوماسية التي تُكافئ المتورطين بدلاً من محاسبتهم. المحاسبة ليست شرطاً أخلاقياً وحسب، بل هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار هذه الجرائم. تُجدد الفدرالية التزامها بمرافقة الناجيات والمجتمعات السودانية في مسارات التوثيق والمناصرة حتى تتحقق العدالة.