الغارات الجوية الأردنية على درعا والسويداء تثير شبهات قتل خارج نطاق القضاء وتفتقر للمسوغ القانوني

تعرب الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية عن قلقها البالغ إزاء الغارات الجوية التي شنّتها طائرات حربية أردنية على مناطق متفرقة جنوبي سوريا مساء أمس، وأسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين، بينهم أطفال ونساء ومسنون، بما يثير مخاوف جدية بشأن مدى الالتزام بالضمانات القانونية الواجبة لحماية المدنيين وصون الحق في الحياة، محذرة من أنّ استخدام القوة المميتة خارج الحدود دون مسوّغ قانوني واضح، وفي غياب ما يثبت مشروعية الأهداف المستهدفة، يثير شبهة جدية بوقوع حرمان تعسفي من الحق في الحياة، ويستوجب تحقيقًا مستقلًا ومساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت.

إننا في الفدرالية نتابع بقلق شديد تداعيات الهجمات الجوية التي نفّذها سلاح الجو الملكي الأردني مساء أمس الاثنين 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 على أربعة مواقع مدنية وسكنية في ريفي محافظتي درعا والسويداء، والتي أسفرت في حصيلة أولية عن مقتل سبعة مدنيين، هم ثلاثة أطفال وامرأة وثلاثة رجال، وإصابة ثلاثة مدنيين آخرين، هم طفل ورجلان.

وبحسب إفادات ومعطيات ميدانية اطلعت عليها الفيدرالية، استهدفت إحدى الغارات الجوية الأردنية خيمة تقطنها عائلة مدنية في قرية «الطف» الواقعة ضمن منطقة “اللّجاة” بريف درعا الشمالي الشرقي، ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين من عائلة “السليم”، هم ثلاثة أطفال أشقاء (طفلين وطفلة)، وجدتهم المسنة،وعمّهم الشاب، وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة، هم طفل ورجلان، حيث عملت فرق الإنقاذ والإسعاف على انتشال الضحايا ونقل المصابين إلى المراكز الطبية المختصة.

وفي استهداف ثانٍ، استهدفت غارة جوية أردنية إحدى المزارع الواقعة في محيط بلدة «نصيب» في ريف محافظة درعا، ما أسفر عن مقتل المسن «رياض كراد» البالغ من العمر 80 عامًا، حيث دمّرت الغارة المزرعة، بما في ذلك منزلًا بسيطًا كان الضحية يقيم فيه به داخل مزرعته.

وفي السياق ذاته، استهدفت غارة جوية ثالثة منزلًا سكنيًا في بلدة «شهيب» بريف محافظة السويداء الشمالي، ما أسفر عن مقتل «مطلق أبو الخيل» (60 عامًا)، جراء انهيار المنزل عليه بفعل الغارة، في حين دمّرت غارة رابعة منشأة مدنية في منطقة «عين البصل» ببلدة «المزيريب» في ريف درعا الغربي،دون تسجيل إصابات بشرية.

إن الفحص الأولي للمواد المرئية والصور المتداولة يُظهر إصابات جسدية بالغة وآثار دمار واسعة في المواقع المستهدفة، شملت انهيار مبانٍ وتضرر منشآت مدنية، بما يعكس حجم الأذى الذي خلّفته الضربات على المدنيين والممتلكات، موضحة أنّ تحديد طبيعة الذخائر المستخدمة وآلية تنفيذ الهجمات ومدى ارتباطها بأنماط الدمار والإصابات المرصودة يتطلب فحصًا فنيًا متخصصًا للأدلة الميدانية وبقايا الذخائر، إن وُجدت، إلى جانب تحليل آثار الانفجارات والأضرار التي لحقت بالمواقع المستهدفة، بما يتيح تقييم مدى مراعاة القواعد القانونية الناظمة لاستخدام القوة وحماية المدنيين، وتحديد المسؤوليات عن الانتهاكات الجسيمة التي نتجت عن الهجمات.

إنّ الحكومة السورية أكّدت في بيان رسمي صدر عقب الهجوم أنّ الغارات التي نفّذها سلاح الجو الأردني جنوبي البلاد جرت دون أي تنسيق مسبق معها، معلنةً مباشرة الجهات المختصة تحقيقات للوقوف على ملابسات الاستهداف ومتابعة أوضاع المتضررين وتقديم الدعم لهم، بالتوازي مع فتح قنوات تواصل مع الجانب الأردني والتشديد على حتمية التنسيق الأمني والميداني المشترك في أي خطوات تتصل بالمناطق الحدودية بما يصون السيادة السورية.

إنّ القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية أعلنت مسؤوليتها الرسمية عن القصف عبر بيان نشرته وكالة الأنباء الأردنية الرسمية (بترا)، ذكرت فيه أنّ مقاتلات سلاح الجو الملكي نفّذت عملية عسكرية تحت مسمى «الردع الأردني – حمود» ضد ما وصفته بـ«أوكار التنظيمات الإرهابية» جنوبي سوريا، معللةً تلك الضربات بأنّها جاءت «انتقامًا» لضحايا الهجوم المسلح الذي استهدف جنازة داخل كنيسة «مار جاورجيوس» بقرية حمود في محافظة الكرك يوم الجمعة 23 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص، بدعوى ارتباط منفذيه بتلك التنظيمات.

وتأكد الفدرالية الدولية أنّ الرواية العسكرية الأردنية افتقرت إلى أي سند واقعي أو دليل موضوعي يثبت قيام صلة بين الضحايا المدنيين والمنشآت المدنية المستهدفة وبين حادثة الكرك، إذ امتنع الجيش الأردني عن تسمية التنظيمات التي ادّعى استهدافها، ولم يقدّم في بيانه أدلة أو معلومات تفصيلية تتيح التحقق من طبيعة المواقع التي استهدفها أو من مزاعم استخدامها لأغراض عسكرية.

تشدد الفدرالية الدولية على أنّ الادعاء العسكري الأردني بوجود ارتباط خارجي لمنفذي هجوم الكرك يتناقض بصورة جذرية مع التصريحات الرسمية الأولية التي أدلى بها مسؤولون أردنيون قبل ساعات من شنّ الغارات، إذ أكّد وزير الداخلية الأردني «مازن الفراية» خلال مؤتمر صحافي عدم توافر أي مؤشرات تفيد بارتباط منفذي الاعتداء بأي خلايا أخرى عقب إلقاء القبض عليهم جميعًا في محافظة الكرك.

 إنّ مدير الأمن العام الأردني اللواء «عبيد الله المعايطة» جزم في المؤتمر الصحافي الرسمي ذاته بأنّ المنفذين الثلاثة هم شقيقان وصهرهما من القاطنين قرب قرية حمود في الكرك، موضحًا أنّهم أقدموا على مهاجمة الجنازة بقرار لحظي ارتجالي ودون أي تخطيط مسبق، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن طبيعة الصلة التي استند إليها الجيش الأردني لتبرير العملية الجوية في الجنوب السوري، ومدى استناد هذا الادعاء إلى أدلة قابلة للتحقق.

إنّ المعلومات المتاحة بشأن هوية الضحايا وظروف وجودهم في المواقع المستهدفة تثير تساؤلات جدية بشأن كيفية اختيار تلك المواقع وتقدير المخاطر المتوقعة على المدنيين؛ إذ تعزّز القرائن الظرفية والإفادات الميدانية مؤشرات الصفة المدنية للضحايا، الذين شملوا أطفالًا وامرأة، إلى جانب رجل مسن يبلغ من العمر 80 عامًا، فيما لا تشير المعلومات المتاحة إلى مشاركتهم في أي أعمال عدائية، الأمر الذي يستوجب التحقق من مدى اتخاذ القوات المنفذة جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، والكشف عن الملابسات التي أفضت إلى مقتلهم وإصابتهم.

إنّ إعلان القوات المسلحة الأردنية صراحةً أنّ ضرباتها الجوية جاءت على سبيل «الانتقام» يثير مخاوف جدية بشأن مشروعية العملية بموجب القانون الدولي، إذ لا يشكّل الرد الانتقامي في حد ذاته مسوغًا قانونيًا لاستخدام القوة العسكرية عبر الحدود، ولا يعفي الجهات المنفذة من مسؤولية التحقق من مشروعية أهدافها والامتثال للقواعد الواجبة لحماية المدنيين.

تأكد الفدرالية أنّ التزامات الدولة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان تظل سارية ومنتجة لآثارها القانونية الكاملة حين تباشر قواتها المسلحة عمليات عسكرية خارج حدودها الإقليمية متى أفضت تلك العمليات إلى بسط سيطرة فعلية أو تأثير مباشر على الحق في الحياة، مشيرًا إلى أنّ المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يُعدّ الأردن دولة طرفًا فيه، تحظر الحرمان التعسفي من الحياة حظرًا مطلقًا.

إنّه بالاستناد إلى قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي الناظمة لسير الأعمال العدائية، فإنّ قصف خيمة تؤوي عائلة ومزرعة ومنشآت مدنية وإيقاع قتلى وجرحى مدنيين يعكس انتهاكًا صارخًا لمبدأ التمييز الذي يُلزم الأطراف المهاجمة بالتفريق الدائم بين المدنيين والأعيان المدنية من جهة والأهداف العسكرية من جهة أخرى، فضلًا عن الإخلال المحتمل بواجب اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة في الهجوم، بما في ذلك التحقق من طبيعة الأهداف العسكرية واختيار الوسائل والأساليب التي تقلل إلى أدنى حد ممكن الأضرار المتوقعة على المدنيين والأعيان المدنية.

إنّ هذه الهجمات في سياق نمط متكرر ومقلق من الغارات الجوية الأردنية العابرة للحدود في محافظتي السويداء ودرعا منذ مايو/ أيار 2023 بذريعة ملاحقة شبكات تهريب المخدرات والأسلحة، إذ سبق للقوات الأردنية استهداف منازل مأهولة والتسبب بمقتل مدنيين، بما في ذلك القصف الجوي الذي طال بلدة «عُرمان» في السويداء فجر 18 يناير/ كانون الثاني 2024، وأودى بحياة عشرة مدنيين، بينهم طفلتان ونساء.

كما نفّذت القوات الأردنية أواخر العام الماضي غارات على قرية «الشعاب» ومناطق متفرقة في ريف السويداء أسفرت عن مقتل مدنيين، دون الإعلان عن إجراء أي تحقيقات مستقلة أو تقديم اعتذار وتعويضات لأسر الضحايا، إذ إنّ غياب المساءلة الدولية والتغاضي المستمر عن تلك الخروقات أسهما في ترسيخ نهج الإفلات من العقاب، وشجعا على ما يبدو على استخدام القوة المميتة داخل الأراضي السورية دون مساءلة فعالة.

نشدد على أنّ «دليل الأمم المتحدة لمنع ممارسات تنفيذ عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة والتحقيق فيها» المعروف بـ«بروتوكول مينيسوتا» يحدد المعايير والإرشادات المتعلقة بإجراء تحقيق سريع وفعال وشامل ومستقل ونزيه وشفاف، استنادًا إلى الالتزامات القانونية القائمة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، كلما توافرت قرائن معقولة على وقوع وفاة يُحتمل أن تكون غير مشروعة، مؤكدة أنّ هذا الواجب القانوني يشمل العمليات العابرة للحدود، ويضمن لذوي الضحايا الحق في معرفة الحقيقة الكاملة والمشاركة في الإجراءات والحصول على الجبر والتعويض.

ندعو السلطات الأردنية إلى الوقف الفوري والكامل لجميع الضربات الجوية والعمليات العسكرية الأحادية داخل الأراضي السورية، والمبادرة إلى فتح تحقيق جنائي مستقل ومحايد وشفاف في الغارات التي استهدفت ريفي درعا والسويداء مساء 26 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 والغارات التي سبقتها، مع إعلان نتائجه للرأي العام، ومحاسبة جميع المسؤولين عن إصدار أوامر القصف أو تنفيذه على نحو أودى بحياة مدنيين، وضمان دفع تعويضات كاملة ومنصفة لأسر الضحايا والمصابين والمتضررين.

نحث السلطات السورية على استكمال التحقيقات الرسمية التي أعلنت عنها بشأن هذه الغارات وفق المعايير الدولية، وتوثيق جميع الخسائر البشرية والأضرار المادية التي لحقت بالمدنيين وممتلكاتهم في قرية «الطف» و«مزارع الشياح» و«المزيريب» وبلدة «شهيب» بدقة وشفافية، وتوفير الرعاية الطبية والإغاثية والقانونية العاجلة للمصابين وعائلات الضحايا، إلى جانب سلوك المسارات الدبلوماسية والقانونية والأممية الكفيلة بضمان عدم تكرار الاعتداءات العابرة للحدود وحصر معالجة الشواغل الأمنية الحدودية في أطر التنسيق القانوني والقضائي المشترك.

نطالب الآليات الأممية المختصة، ولا سيما المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفًا، والمقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، بإجراء تحقيق مستقل في هذه الغارات ومساءلة المتورطين فيها، داعية الدول التي تزوّد الأردن بالذخائر الجوية الموجهة والمساعدات العسكرية إلى مراجعة برامج دعمها والتحقق من عدم استخدام تلك الأسلحة في قتل المدنيين.

الغارات الجوية الأردنية على درعا والسويداء تثير شبهات قتل خارج نطاق القضاء وتفتقر للمسوغ القانوني
الفيدرالية الدولية تطالب بريطانيا بعدم تسليم محمد حسنة وضمان محاكمته العادلة 
افرد تدين بشدة التهديدات والقيود ضد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان
افرد ترحب باستقصاء HRW حول دور الامارات في تجنيد المرتزقة في السودان
يجب على الإمارات وقف الترحيل الجماعي الممنهج للمسلمين الشيعة الباكستانيين
الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية توقّع إعلان بروكسل في المؤتمر البرلماني العالمي للصمود
(IFRD) تدين الحرمان التعسفي لمهجري غزة في مصر من جوازات سفرهم
الغارات الجوية الأردنية على درعا والسويداء تثير شبهات قتل خارج نطاق القضاء وتفتقر للمسوغ القانوني
الفيدرالية الدولية تطالب بريطانيا بعدم تسليم محمد حسنة وضمان محاكمته العادلة 
افرد تدين بشدة التهديدات والقيود ضد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الانسان
افرد ترحب باستقصاء HRW حول دور الامارات في تجنيد المرتزقة في السودان
يجب على الإمارات وقف الترحيل الجماعي الممنهج للمسلمين الشيعة الباكستانيين
الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية توقّع إعلان بروكسل في المؤتمر البرلماني العالمي للصمود
(IFRD) تدين الحرمان التعسفي لمهجري غزة في مصر من جوازات سفرهم

أهم الوسوم

أهم التصنيفات

المقالات حسب التقويم

أكتوبر 2026
س د ن ث أرب خ ج
 12
3456789
10111213141516
17181920212223
24252627282930
31